ابراهيم بن عمر البقاعي

460

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور

إلى الحفظ قطعا ، وخص الثاني بالاستحفاظ لأن الأتباع أولى به ، وهو دال على الإسلام . ولما كان هذا كله ذما لليهود بما تركوا من كتابهم ، ومدحا لمن راعاه منهم ، وكان ذلك الترك إما لرجاء أو خوف ، قال مخاطبا لهذه الأمة كلها طائعها وعاصيها ، محذرا لها من مثل حالهم ومرغبا في مثل حال الأنبياء والتابعين لهم بإحسان ، مسببا عن ذلك : فَلا تَخْشَوُا النَّاسَ أي في العمل بحكم من أحكام اللّه وَاخْشَوْنِ أي فإن ذلك حامل لكم على العدل والإحسان ، فمن كان منكم مسلما طائعا فليزدد طاعة ، ومن لم يكن كذلك فليبادر بالانقياد والطاعة ، وهذا شامل لليهود وغيرهم . ولما قدم الخوف لأنه أقوى تأثيرا أتبعه الطمع فقال : وَلا تَشْتَرُوا ولما كان الاشتراء معناه اللجاجة في أخذ شيء بثمن ، وكان المثمن أشرف من الثمن من حيث إنه المرغوب فيه ، جعل الآيات مثمنا وإن اقترنت بالباء ، حتى يفيد الكلام التعجب من الرغبة عنها ، وأنها لا يصح كونها ثمنا فقال : بِآياتِي ثَمَناً قَلِيلًا أي من الرشى وغيرها لتبدلوها كما بدل أهل الكتاب . ولما نهى عن الأمرين ، وكان ترك الحكم بالكتاب إما لاستهانة أو لخوف أو رجاء أو شهوة ، رتب ختام الآيات على الكفر والظلم والفسق ، قال ابن عباس رضي اللّه عنهما : من جحد حكم اللّه كفر ، ومن لم يحكم به وهو مقر فهو ظالم فاسق . فلما كان التقدير : فمن حكم بما أنزل اللّه فأولئك هم المسلمون ، عطف عليه ما أفهمه من قوله : وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ أي يوجد الحكم ويوقعه على وجه الاستمرار بِما أَنْزَلَ اللَّهُ أي الذي له الكمال كله فلا أمر لأحد معه تدينا بالإعراض عنه ، أعم من أن يكون تركه له حكما بغيره أو لا فَأُولئِكَ أي البعداء من كل خير هُمُ الْكافِرُونَ أي المختصون بالعراقة في الكفر ، وهذه الآيات من قوله تعالى يا أَيُّهَا الرَّسُولُ لا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسارِعُونَ فِي الْكُفْرِ [ المائدة : 41 ] إلى هنا نزلت في الزنا ، ولكن لما كان السياق للمحاربة ، وكان كل من القتل وقطع الطريق والسرقة محاربة ظاهرة مع كونه فسادا صرح به ، ولما كان الزنا محاربة ، خفية بالنظر إلى فحشه وحرمته وجرّه في بعض الصور إلى المحاربة ، وغير محاربة بالنظر إلى كونه في الغالب عن تراض ، وصاحبه غير متزيّ بزيّ المحاربين ، لم يصرح في هذه الآيات باسمه وإن كانت نزلت فيه ، روى البيهقي عن ابن عباس رضي اللّه عنهما عن عمر رضي اللّه عنه أنه قال في خطبته : « إن اللّه بعث محمدا وأنزل عليه كتابا ، وكان فيما أنزل عليه آية الرجم فتلوناها ووعيناها « الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة نكالا من اللّه واللّه عزيز حكيم » وقد رجم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ورجمنا